السيد محمد تقي المدرسي

180

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

مصدر لوجود الأشياء في العالم المحسوس وعلة له « 1 » والمثل بدورها ليست الوجود الحقيقي ، لأنها بالتالي مختلفة ، وفيها نسبة من النقص ، بل هذه المثل تقتبس جمالها ونورها من مثال واحد أعلى . وهذه المُثُل منضدة بعضها فوق بعض على نحو تصاعدي ، يشمل كل منها جميع ما دونه إلى أن ينتهي هذا النظام الهرمي إلى مثال الخير ، وهو المثال الأعلى وحقيقة الحقائق وجوهر الوجود ، وجميع المثل تتجه إليه لأنها كلها تنشد الخير وتسعى إليه « 2 » . والوجود الحقيقي ليس للأشياء ، بل لتلك المثل . ومعنى ذلك : أن كل موجود إنما يتعين نوع وجوده وصفته بمشاركته في مثال من هذه المثل وتشبهه به ، وهذه المشاركة وهذا التشبه عنصران يتفاوتان في الأشياء قوة وضعفاً ، ولكنهما لن يبلغا الكمال ، لأن الكمال للمثل ، ولمثال المثل خاصة وهو مثال الخير « 3 » . ولا نعلم هل يقصد أفلاطون بمثال الخير ما يقصده الحكماء الإلهيون من كلمة ( الله ) أو ( واجب الوجود ) ، إلا أن قصة الكهف التي يضرب بها أفلاطون مثل الدنيا المشهودة والحقيقة التي وراءها ، تكشف عن قناعة أفلاطون بأن ماهيات الأشياء التي نشاهدها ليست سوى ظلال للوجود الحقيقي ، وهو يتطابق مع نظرية أصالة الوجود عن بعض الفلاسفة المتأخرين . وقصة الكهف هي التالية : يشبّه أفلاطون الدنيا بكهف ذي منفذ واحد ، وقد سجن فيه أفراد منذ بداية عمرهم مغلولين بالأصفاد ووجوههم على جدار الكهف من الداخل ، وقد أشعلت وراءهم نار ألقت أشعتها على جدار الكهف الداخلي ، وبينهم وبين النار حائط يتحرك من ورائه

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 127 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 129 . ( 3 ) ( ) المصدر ، ص 129 .